مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني - centre of palestinian historiography & documentation

لجنة بيل الملكية وخطة الضم ... بقلم أ.أسامة سعد

 

تاريخ النشر: 2020-07-01

عدد القراء: 18

 
 

         عرف التراث الفولكلوري الفلسطيني أغنية تراثية شعبية تقول كلماتها:

         (دبرها يا مستر بيل... بلكن على إيدك بتحل)

         واكبت هذه الأغنية التراثية وصول لجنة بيل الملكية البريطانية الى فلسطين، لتدرس أسباب اندلاع ثورة الشيخ عز الدين القسام في فلسطين في ربيع عام 1936م، وكانت الأغنية تحور لتخاطب تارة لجنة بيل، وتارة أخرى الجنرال ديل الذي فشل في قمع الثورة، وقد جرت على ألسنة العامة بعد ذلك تعبيرا عن السخرية من استعصاء مشكلة وعدم القدرة على حلها. وربما ما قصده شاعر الثورة الفلسطيني نوح إبراهيم مؤلف الأغنية في ذلك الوقت المثل الفلسطيني الذي يقول (اللي بزعل النفس برضيها)، ولكن هيهات لمستر بيل مفوض الحكومة البريطانية ان يكون لديه من الوجدان والضمير ما يحمله على انصاف الشعب الفلسطيني، وهو مفوض للحكومة البريطانية التي قدم رئيس وزرائها قبل تشكيل لجنة بيل بخمسة وعشرين عاما وعده الشهير والمشؤوم الذي عرف بوعد بلفور.

         العودة عزيزي القارئ للبحث في ثنايا التاريخ الفلسطيني القريب بما فيه من زجل ووجع وثورة، هو مقال مضلل للسفير الصهيوني في واشنطن "مرون ديرمر" حيث نشر مقال في صحيفة واشنطن بوست في 20/6/2020 جاء فيه: إن الفلسطينيين ضيعوا فرصاً كثيرة لإقامة دولة لهم، ومن ضمن ما ضيعوه من فرص أنهم رفضوا في السابق توصيات لجنة بيل، في محاولة منه لتضليل الرأي العام الأمريكي بأن خطة الضم الصهيونية تعد فرصة للفلسطينيين وعليهم ألا يضيعوها كما ضيعوا فرصا كثيرة من قبل ومن أبرزها توصيات لجنة بيل.

         وبغض النظر عن عملية التضليل التي مارسها كاتب المقال، فقد كان رفض توصيات لجنة بيل هو ضمير الموقف الوطني الأصيل الذي كان يجب أن يتخذ، وأظن أن الشعب الفلسطيني لو عاد به التاريخ ألف مرة ما كان له أن يتخذ موقفا آخر خلاف الموقف التاريخي الذي اتخذه، ولو أن زعيما ما وافق على توصيات لجنة بيل لسجله التاريخ كمرتكب للخيانة العظمى للشعب الفلسطيني.

         وبالعودة مرة أخرى للسياق التاريخي، ففي أعقاب ثورة 1936، شكلت الحكومة البريطانية لجنة ملكية من ستة أشخاص من ذوي المناصب الرفيعة في المملكة البريطانية، مهمتها التحقيق في أسباب (الاضطرابات) والمقصود هنا ثورة القسام التي نشبت في فلسطين في أواسط نيسان 1936، وكيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين بالنسبة لالتزامات بريطانيا نحو العرب واليهود، وتقديم توصيات بشأن (إزالة المظالم المشروعة) التي يقدمها اليهود والعرب عن طريقة تنفيذ الانتداب، وقد عرفت اللجنة باسم "لجنة بيل" نسبة إلى رئيسها اللورد بيل الذي كان ينتمي لأسرة سياسية بارزة وهو حفيد أحد رؤساء وزراء بريطانيا السابقين.

         قدمت اللجنة تقريرها في آب 1937 وقد تفتقت قريحة اللجنة عن توصيات رفعتها للحكومة البريطانية، تمثلت في وضع مخطط تقسيم فلسطين لأول مرة على أجندة العمل الدولي كمقترح لحل (النزاع) في فلسطين بين العرب واليهود، لقد تعامل تقرير لجنة بيل مع قضية فلسطين بعيدا عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه، فقد تعامل معها على أساس تنفيذ التزامات الحكومة البريطانية بتنفيذ صك الانتداب بما تضمنه من وعد بلفور، ولم يكن يتصور أي عربي فلسطيني عاش في فلسطين كلها من بحرها لنهرها كما عاش أسلافه منذ آلاف السنين، أن تقسم فلسطين على أساس إعطاء أفضل وأجود الأراضي والجزء الأكبر من الساحل الفلسطيني لليهود، ولذلك كان الضمير الجمعي للفلسطينيين يرفض هذه الخطة.

         والملاحظ أن تقرير لجنة بيل الذي قُدِّم قبل حوالي 83 عاماً حمل الفكرة نفسها التي تأسست عليها خطة الضم الصهيونية في عام 2020، فقد وجدت تشابها كبيرا بين توصيات لجنة بيل وخطة الضم الصهيونية المعدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع اختلاف الظروف والتفاصيل التي حكمها السياق التاريخي في ذلك الوقت من حيث:

         إن تقرير لجنة بيل أوصى بإنشاء دولة عربية على جزء من أرض فلسطين "معظمه في صحراء النقب" ولكنه في الوقت نفسه أشار إلى ضرورة أن تُضم هذه الدولة إلى شرقي الأردن بمعنى أنه لن تكون هناك دولة قائمة بحد ذاتها شرق نهر الأردن وإنما تلحق الأراضي التي ستخصص للدولة " العربية " ولم توصف بالدولة الفلسطينية لولاية شرق الأردن، تماما كما يخطط نتنياهو الان بعدم إقامة دولة وإنما شبه دولة تبقى تحت السيادة الصهيونية، كذلك من اللافت ان تقرير لجنة بيل قدم خريطة اقترح فيها إعطاء الدولة اليهودية جميع منطقة الجليل وسهل مرج ابن عامر وسهل سانور مع بقاء القدس وبيت لحم والناصرة تحت الانتداب البريطاني مع ممر يصل القدس بالبحر عند يافا. ووضع خريطة تتداخل فيها الحدود بشكل يجعل من المناطق الحدودية بين الدولتين عبارة عن بوابات تحكم وسيطرة لصالح الدولة اليهودية، وهي الفكرة نفسها التي قدمت من الإدارة الأمريكية "صفقة العصر2020" بخريطة تحتوي على حدود متداخلة وبوابات وكنتونات، والتي على أساسها بدأت دولة الاحتلال بإعداد مخططات الضم. صحيح أن لجنة بيل قد منحت اليهود أرضاً تعد أقل في المساحة مما هو مخصص للدولة العربية ولكنها كانت الأراضي الأجود من حيث الخصوبة والأفضل من حيث الأبعاد الإستراتيجية على المستوى الأمني والاقتصادي وكانت بالنسبة لعدد السكان اليهود في ذلك الوقت شاسعة جدا، كذلك تحدث تقرير لجنة بيل عن بعض الإغراءات المالية للفلسطينيين وذلك بالنص في التقرير على ضرورة تقديم معونات مالية "للدولة العربية" تقدمها الدولة اليهودية والحكومة البريطانية تماما كما تنص صفقة العصر على تقديم مليارات الدولارات للفلسطينيين كنوع من الإغراء المالي للقبول بالصفقة التي على أساسها أعدت خطة الضم، الأمر الذي يؤكد أن لجنة بيل كانت تسعى إلى ما تسعى إليه صفقة العصر اليوم، وذلك بمنح اليهود الأفضلية المطلقة، وتجعل من الدولة العربية مجرد مسخ ينتظر المعونات والمساعدات، وهذا بالضبط ما تعيد خطة ترامب نتنياهو إحياءه من ثنايا التاريخ مع التعديل المواكب للهيمنة الصهيونية على كامل فلسطين، بحيث تضم كل الأراضي للدولة اليهودية، ويمنح السكان العرب حكم أنفسهم في معازل قد تسمى دولة شكلاً، ليس لها سبيل للحياة إلا بحبل من الدولة الصهيونية وحبل من الإدارة الأمريكية، الذي إذا قطع في أي لحظة ماتت (هذه الدولة) على أرضها، لذلك يرفض الضمير الجمعي الفلسطيني في 2020 خطة الضم كما رفض خطة بيل 1937، ورغم أنني أعتقد أن عمر الاحتلال الصهيوني لفلسطين بات أقرب إلينا من شراك نعالنا، ولكن سأفترض جدلا أنه سيوجد في المستقبل من يقول إن الفلسطينيين أخطؤوا، فقد ضيعوا فرصة خطة "ترامب نتنياهو" للضم كما ضيعوا فرصة خطة "بيل".