مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني - centre of palestinian historiography & documentation

خربة حِمصة الفوقا.. فصل جديد في مسلسل النكبة المستمرة

 

تاريخ النشر: 2021-02-20

عدد القراء: 4

 
 

متابعات:

لم يسلم البشر ولا الحجر ولا الحيوان من اعتداءات الاحتلال "الإسرائيلي" على كل شبر من الأرض الفلسطينية خلال ما يقرب من 73 عامًا، وها هي خربة حمصة الفوقا في الأغوار الشمالية تجسد النكبة المستمرة للشعب صاحب القضية الأعدل في تاريخ البشرية، فقد باتت الخربة شاهدة على جرائم الاحتلال المتواصلة.

وأقدمت قوات الاحتلال خلال الأسبوع الماضي على هدم المنشآت الزراعية والسكنية كافة في التجمع، الذي يضم نحو 70 مسكنًا ومنشأة، لـ11 عائلة فلسطينية.

فبعد انقضاء 48 ساعة، هي مدة إخطار عسكري للسكان بالرحيل، بدأت قوات الاحتلال بتفكيك مساكن ومنشآت التجمع كافة، ونقلها إلى مناطق عين شبلي والنصارية.

حمصة الفوقا يسكنها نحو 80 فلسطينيًّا،، وتبلغ مساحتها 100 ألف دونم سبق وهدمت كاملة، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

وبالمجمل، هدمت قوات الاحتلال 73 مسكنًا ومنشأة، جميعها من الصفيح، كما تمنع البناء الحجري في الأغوار؛ لكن الأهالي أعادوا بناء مساكنهم، ليهدمها الاحتلال مجددًا الأربعاء الماضي.

واستمرت العملية في حينه أكثر من 12 ساعة متواصلة، هُدم فيها كل شيء في الخربة، فضلاً عن مصادرة كل ما يمكن مصادرته، وعلى إثر ذلك قضى أهالي الخربة لياليهم في العراء لعدة أيام.

تهجير قسري

ويسعى الاحتلال من خلال عمليات الهدم المتكررة إلى تهجير السكان قسريًّا من المنطقة بالكامل، لصالح بناء المستوطنات والمعسكرات الخاصة بالجيش، إلى جانب التدريبات العسكرية فيها.

وأكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في تقرير له أن ذلك يأتي في إطار تسارع وتيرة هدم المنازل وتدمير الممتلكات في الضفة الغربية وشرقيّ القدس في الآونة الأخيرة، بهدف تنفيذ مخططات التطهير العرقي، وطرد الفلسطينيين من أراضيهم لمصلحة مخططات الضم (السلب) والتوسع الاستيطاني.

يشار إلى أن الاحتلال حول ما يزيد عن 400 ألف دونم في الأغوار إلى مناطق عسكرية مغلقة يحظر على الفلسطينيين فيها ممارسة أي نشاط زراعي أو عمراني أو غير ذلك، وأنشأت 97 موقعًا عسكريًّا هناك.

كما زرع الاحتلال المئات من الدونمات الزراعية في الأغوار بالألغام الأرضية، حتى باتت تلك المناطق محاذية لبعض التجمعات السكنية البدوية، مثل خربة يرزا ومنطقة واد المالح؛ فهي موجودة بين منازلهم وفي مراعيهم، وقرب مصادر المياه.

وتعد الأغوار سلة فلسطين الغذائية، وهي أكثر المناطق تضررًا من مشروع الضم الذي سيلتهم عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية.

وتتعرض عدة مناطق في الضفة الغربية، وخاصة في الأغوار والقرى المحاذية للمستوطنات لهجمة متواصلة بهدف مصادرة مزيد من الأراضي، وشق طريق استيطانية وتهجير السكان.

ووفق المصادر الحقوقية، ففي شهر واحد فقط سلم الاحتلال الإسرائيلي إخطارات لهدم 150 منشأة سكنية وزراعية في الأغوار، فيما سُجل اقتلاع أكثر من 10 آلاف شجرة حرجية (شرقي طوباس) بالأغوار الشمالية.

خطة ممنهجة

وفي حديث خاص لـ"المركز الفلسطيني للإعلام"، أكد المدير العام للعمل الشعبي ودعم الصمود في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة، على وجود خطة ممنهجة تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى تنفيذ عملية الضم على أرض الواقع من خلال التضييق على المواطنين بعدة أشكال؛ ومنها: عمليات الهدم المتكرر لمساكن المواطنين، ومنعهم من إعادة البناء، ومصادرة أراضيهم.

وأضاف: "ما جرى من عمليات هدم في خربة حمصة الفوقا للمرة الرابعة تواليا منذ 3-11-2020 يهدف إلى تهجير المواطنين الفلسطينيين تهجيرًا قسريًّا من أراضيهم إلى مكان آخر".

كما "يهدف ذلك إلى السيطرة على الأرض وتحويلها إلى مستوطنات، رغم أن سلطات الاحتلال تتذرع في البداية بأنها تقوم بتلك العمليات من أجل التدريبات العسكرية، والإعلان عنها مناطق عسكرية مغلقة، إلا أنهت تسلمها لاحقًا للمستوطنين لإنشاء بؤر استيطانية فيها، كما حدث ويحدث في الكثير من المناطق في الضفة الغربية".

وتابع أبو رحمة أن المستوطنين يستغلون تلك الأراضي من أجل إنشاء المزارع، ورعي مواشيهم، وسرقة الثروات الطبيعية الموجودة من مياه جوفية وأبار ارتوازية من أجل استخدامها في الزراعة في تلك المناطق.

وشدد على أن الاحتلال يستهدف منطقة الأغوار ضمن منهج يهدف إلى فرض سيطرته الكاملة عليها، وقتل أي حلم مستقبلي لإقامة الدولة الفلسطينية، فالأغوار التي تبلغ مساحتها مليون ومائة وخمسين ألف دونم بما فيها منطقة شرق البحر الميت، تشكل سلة الغذاء الفلسطينية، والمخزون الاستراتيجي من المياه الجوفية، وفي حال ضمها الاحتلال، فذلك يعني عدم إمكانية قيام دولة فلسطينية.

وتقع حمصة الفوقا في قلب سهل البقيعة، وهو من أخصب أراضي فلسطين الزراعية، ويشمل المثلث، قرى المالح والفارسية ثم عين البيضا (شمالًا)، ويعود (جنوبًا) إلى قرى مرج نعجة ومرج غزال ثم إلى الجفتلك وفروش بيت دجن، وجميعها مهددة بالتهجير.

تقويض الأغوار

يقول أبو رحمة: إذا تم إخلاء حمصة الفوقا وكذلك تنفيذ التهديد بإخلاء خربتي مكحول والحديدية القريبتين، سيتم تفريغ المثلث، الذي تبلغ مساحته 200 ألف دونم، من الوجود الفلسطيني كاملاً بما فيه سهل البقيعة أهم سهول فلسطين في الضفة الغربية.

ويعد سهل البقيعة أبرز مصادر سلال الفلسطينيين الغذائية، لا سيما زراعة القمح وتربية الثروة الحيوانية، إلى جانب أهميته الاستراتيجية؛ فهو امتداد أراضي فلسطين إلى أراضي نهر الأردن؛ أي ما يعرف بحدود الدولة الفلسطينية مع الأردن.

وفيما يخطط الاحتلال إلى دفع سكان حمصة للهجرة إلى قريتي عين شبلي والنصارية، وهي مناطق محاطة بالمستوطنين، ومهددة بإخطارات الترحيل الإسرائيلية أيضًا، قال أبو رحمة إن الاحتلال ينفذ عملية تهجير مؤقتة بانتظار تهجيرهم مرة ثانية.

فمنذ سنوات يسعى الاحتلال إلى حصر التجمعات البدوية في تجمعات محددة، وتفريغ المساحات الشاسعة من سكانها الفلسطينيين، وأشار أبو رحمة إلى مخطط "E1" الذي طرح تجميع البدو بالقرب من منطقة العيزرية، بحيث يتم تقليص المساحة التي يتواجدون فيها إلى 50 دونمًا فقط في تلك المنطقة لتسهل السيطرة عليهم، وتنفيذ مخططات الضم.

من جانبه، قال الخبير في شؤون الاستيطان والانتهاكات الإسرائيلية في الأغوار عارف دراغمة، إن خربة حمصة تعرضت للإخلاء 11 مرة لإجراء تدريبات عسكرية خلال السنوات الأربع الأخيرة، ومنذ ذلك الحين يتعرض الأهالي لمصادرة جراراتهم الزراعية وملاحقة مربي المواشي منهم، كما يُصعّب الاحتلال نقل المياه بالصهاريج إلى مساكنهم.

وأكد في حديث صحفي  أن هذه سياسة واضحة تتبعها سلطات الاحتلال من أجل تقويض الأغوار، وبناء المستوطنات والمعسكرات، وتنفيذ خطة الضم على أرض الواقع.

 وتابع: ما تقوم به سلطات الاحتلال من هدم وتهجير للسكان الفلسطينيين وتجفيف لمصادر المياه، لا يقتصر على خربة حمصة الفوقا فقط بل في كافة أراضي الأغوار، حيث يوجد أكثر من 370 إخطارًا بالهدم منذ بداية العام الحالي.

وأضاف: أقامت سلطات الاحتلال في الأغوار أكثر من 36 مستوطنة، و22 معسكرًا لجيش الاحتلال، وبالتالي لم يبق للفلسطينيين من أراضي الأغوار إلا ما نسبته 20 في المائة في المناطق المختلفة.