مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني - centre of palestinian historiography & documentation

د. عدنان أبو عامر ... شكل ازدياد نفوذ التيارات الدينية اليمنية المتطرفة في دولة الاحتلال، فرصة لصدور تحذيرات جديدة من اعتبارها خطرًا وجوديًّا عليها، في ظل رفض هذه التيارات المساهمة بالاقتصاد أو الخدمة العسكرية. تزداد مثل هذه الدعوات في ظل الخلاف القائم بين الأغلبية العلمانية في "إسرائيل"، والأقلية الأرثوذكسية الدينية المتطرفة فيها، لا سيَّما أولئك الذين لا يخدمون في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، وليسوا مندمجين في سوق العمل الإسرائيلي، على الرغم من أنهم يعلنون أنفسهم يهودًا صهاينة. الحاصل حاليًّا في "إسرائيل" يحمل دلالات خطرة حول ما تشهده الغالبية العلمانية من تراجع في مواجهة التأثير الديموغرافي للأرثوذكس المتطرفين على هوية دولة الاحتلال، ما دفع عددًا من الأوساط السياسية للمطالبة باتخاذ سلسلة من الإجراءات، كوقف جميع أشكال الدعم للمؤسسات التعليمية التي لا تقوم بتدريس الدراسات الصهيونية، وأولئك الذين لا يلتحقون بالجيش، والمدارس التي يتعلمون فيها. التخوف المتوقع في المستقبل المنظور أن القوة التصويتية لليهود المتدينين قد يزيد ثلاثين مرة على القوة التصويتية لنظرائهم العلمانيين، لأنه مقابل كل ناخب لأحزاب اليسار واليمين الصهيوني، سيكون هناك ثلاثون ناخبًا للأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، وخلال فترة تزيد قليلًا على جيل واحد، سيكون بإمكان هؤلاء المتدينين تعيين نصف نواب الكنيست، ولن تكون هناك إمكانية لتشكيل حكومة صهيونية وليبرالية وديمقراطية. هذه حقائق وتوقعات راسخة للديموغرافية الإسرائيلية، يجب أن تكون مقلقة لصناع القرار الإسرائيلي، لأن هناك تبعات ونتائج متوقعة لهذه الحقائق، على رأسها الاقتصاد والأمن، اللذان سيقعان ضحية لهذا الوضع، لأن الحكومات الإسرائيلية القادمة ستكون ملزمة تقديمَ مساعدات بمليارات الشواقل لمدارس التوراة كل عام، على أن تكون هذه المليارات من جيوب العلمانيين والعسكريين ودافعي الضرائب الإسرائيليين. هناك 70 ألف طالب في المدارس الدينية اليهودية يمتنعون عن الذهاب لمواقع التجنيد في الجيش، وفي الوقت ذاته، تدعمهم "الدولة" بعدة مئات من ملايين الشواقل شهريًّا، إضافة لإعانات الأطفال، والإعفاء من ضريبة الدخل والممتلكات، كل هذا وما زالت مساهمتهم الاقتصادية في الدولة هزيلة، فغالبيتهم العظمى لا يلتحقون بالجيش، ولا ينضمون لـ"الخدمة الوطنية"، ولا يعملون رسميًّا، ومن ثم لا يدفعون ضريبة الدخل. يعتقد المتخوفون من تنامي نفوذ الحريديم أن من واجب الدولة تغيير هذا الوضع بسلسلة من الإجراءات، بما في ذلك وقف كل الدعم للمؤسسات التعليمية التي لا تدرس الدراسات الصهيونية، ومن لا يلتحقون بالجيش، أو "الخدمة الوطنية"، واللجان التي يدرسون فيها. الخلاصة أن هذه هي الطريقة التي سيبدأ بها انعكاس الاتجاه الذي سيحول معظم اليهود المتشددين إلى مساهمين في أمن "الدولة"، وفي المقابل تحشيد الأغلبية العلمانية لحماية قيم الصهيونية، قبل أن يفوت الأوان، لأن التركيبة السكانية الإسرائيلية اليوم تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت "إسرائيل" ستبقى بعد جيلين!

 

تاريخ النشر: 2021-02-20

عدد القراء: 2

 
 

د. عدنان أبو عامر ...

شكل ازدياد نفوذ التيارات الدينية اليمنية المتطرفة في دولة الاحتلال، فرصة لصدور تحذيرات جديدة من اعتبارها خطرًا وجوديًّا عليها، في ظل رفض هذه التيارات المساهمة بالاقتصاد أو الخدمة العسكرية.

تزداد مثل هذه الدعوات في ظل الخلاف القائم بين الأغلبية العلمانية في "إسرائيل"، والأقلية الأرثوذكسية الدينية المتطرفة فيها، لا سيَّما أولئك الذين لا يخدمون في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، وليسوا مندمجين في سوق العمل الإسرائيلي، على الرغم من أنهم يعلنون أنفسهم يهودًا صهاينة.

الحاصل حاليًّا في "إسرائيل" يحمل دلالات خطرة حول ما تشهده الغالبية العلمانية من تراجع في مواجهة التأثير الديموغرافي للأرثوذكس المتطرفين على هوية دولة الاحتلال، ما دفع عددًا من الأوساط السياسية للمطالبة باتخاذ سلسلة من الإجراءات، كوقف جميع أشكال الدعم للمؤسسات التعليمية التي لا تقوم بتدريس الدراسات الصهيونية، وأولئك الذين لا يلتحقون بالجيش، والمدارس التي يتعلمون فيها.

التخوف المتوقع في المستقبل المنظور أن القوة التصويتية لليهود المتدينين قد يزيد ثلاثين مرة على القوة التصويتية لنظرائهم العلمانيين، لأنه مقابل كل ناخب لأحزاب اليسار واليمين الصهيوني، سيكون هناك ثلاثون ناخبًا للأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، وخلال فترة تزيد قليلًا على جيل واحد، سيكون بإمكان هؤلاء المتدينين تعيين نصف نواب الكنيست، ولن تكون هناك إمكانية لتشكيل حكومة صهيونية وليبرالية وديمقراطية.

هذه حقائق وتوقعات راسخة للديموغرافية الإسرائيلية، يجب أن تكون مقلقة لصناع القرار الإسرائيلي، لأن هناك تبعات ونتائج متوقعة لهذه الحقائق، على رأسها الاقتصاد والأمن، اللذان سيقعان ضحية لهذا الوضع، لأن الحكومات الإسرائيلية القادمة ستكون ملزمة تقديمَ مساعدات بمليارات الشواقل لمدارس التوراة كل عام، على أن تكون هذه المليارات من جيوب العلمانيين والعسكريين ودافعي الضرائب الإسرائيليين.

هناك 70 ألف طالب في المدارس الدينية اليهودية يمتنعون عن الذهاب لمواقع التجنيد في الجيش، وفي الوقت ذاته، تدعمهم "الدولة" بعدة مئات من ملايين الشواقل شهريًّا، إضافة لإعانات الأطفال، والإعفاء من ضريبة الدخل والممتلكات، كل هذا وما زالت مساهمتهم الاقتصادية في الدولة هزيلة، فغالبيتهم العظمى لا يلتحقون بالجيش، ولا ينضمون لـ"الخدمة الوطنية"، ولا يعملون رسميًّا، ومن ثم لا يدفعون ضريبة الدخل.

يعتقد المتخوفون من تنامي نفوذ الحريديم أن من واجب الدولة تغيير هذا الوضع بسلسلة من الإجراءات، بما في ذلك وقف كل الدعم للمؤسسات التعليمية التي لا تدرس الدراسات الصهيونية، ومن لا يلتحقون بالجيش، أو "الخدمة الوطنية"، واللجان التي يدرسون فيها.

الخلاصة أن هذه هي الطريقة التي سيبدأ بها انعكاس الاتجاه الذي سيحول معظم اليهود المتشددين إلى مساهمين في أمن "الدولة"، وفي المقابل تحشيد الأغلبية العلمانية لحماية قيم الصهيونية، قبل أن يفوت الأوان، لأن التركيبة السكانية الإسرائيلية اليوم تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت "إسرائيل" ستبقى بعد جيلين!